الشريف الرضي

158

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

قال سبحانه : ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده . . . ) [ 1 ] ، وظاهر هذا الكلام يدل على أن قبول التوبة غير واجب ، وأنه سبحانه متفضل بذلك وله ألا يفعله كسائر ما يتفضل به ! فالجواب : أن اطلاق اسم التوبة ههنا من غير صفة تدل على صحتها أو بطلانها لا تعلق فيه لخصومنا ، لان التوبة عندنا لها شرائط ، متى لم تكن مطابقة لها وواقعة عليها كانت غير مقبولة ، ويجري ذلك مجرى قولهم : ( حجة ) ، في أنها قد تكون صحيحة لازمة ، وقد تكون باطلة داحضة ، فإذا كانت على الوجوه التي يجب أن تكون عليها ، وصفت بالصحة والثبات ، وإن كانت على ضد ذلك وصفت بالبطلان والاندحاض ، ألا ترى إلى قوله تعالى : ( حجتهم داحضة عند ربهم . . . ) [ 2 ] فسماها : حجة ، ووصفها مع ذلك بأنها داحضة لا تنصر قائلها ولا تنفع المدلي بها . فلهذا قد تسمى التوبة : توبة ، مع ذلك غير مقبولة ، لأنها لم تقع مطابقة لشرائطها ، وعلى ذلك قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا . . . ) [ 3 ] ، وقرأ أبو بكر بن عياش منفردا عن سائر القراء ( عن ) [ 4 ] عاصم نصوحا بضم النون ، ومعناه ، توبة تنصحون فيها نصوحا ، وهو مصدر نصح ، ومن قرأ نصوحا بفتح النون ، فإنما أراد به صفة التوبة : ومعناه : توبة مبالغة في النصح

--> ( 1 ) الشورى : 25 . ( 2 ) الشورى : 16 . ( 3 ) التحريم : 8 ( 4 ) وفي ( خ ) : غير .